أموال وثروات العراق في بطون حيتان الفساد الذين يختبئون بعباءة رجال أعمال ……!!
تمددت ظاهرة “القروض الطيّارة” لتصبح جرحًا مفتوحًا في جسد الاقتصاد العراقي، بعدما تحولت مليارات الدنانير من المصارف الحكومية إلى صفقات مشبوهة ومشاريع وُلدت على الورق ولم تتجاوز حدود المخططات الزائفة.
وانكشفت في الأسبوع الأول من حزيران 2025، وثائق صادرة عن ديوان الرقابة المالية، تؤكد تجاوز قيمة القروض غير المسددة من القطاع الخاص عتبة الـ12 تريليون دينار، موزعة على أكثر من 80 مشروعًا أغلبها في قطاعات الكهرباء والإسكان والمقاولات، من دون وجود ضمانات مصرفية كافية، أو مؤشرات حقيقية على التقدم في التنفيذ.
وتركزت أغلب تلك المشاريع في محافظات الجنوب والعاصمة بغداد، وتصدرها ما بات يُعرف إعلاميًا بـ”قرض النجف الصناعي”، حيث حصلت شركة محلية باسم “المدى المتحدة” على أكثر من 450 مليار دينار عام 2017 لإنشاء مجمع صناعي متكامل، لكن المشروع بقي متوقفًا عند بوابة إدارية مهجورة وأكوام من الحصى.
واستعاد مراقبون اقتصاديون في تصريحاتهم ما جرى اعوام سابقة ، حين كشفت لجنة النزاهة النيابية عن اختفاء 200 مليار دينار من قرض خُصص لمشروع بناء “مدينة دجلة الرياضية” في بغداد، المشروع الذي تكرر الإعلان عنه أربع مرات، دون أن تُنجز سوى سور خارجي وساحة ترابية.
وسعدي وهيب صيهود الجبوري، مالك شركة ربان السفينة، حصل على قروض متعددة من المصارف الحكومية، تحت غطاء تنفيذ مشاريع خدمية ومقاولات في مناطق الجنوب والفرات الأوسط. ومن بين أبرز تلك القروض قرض بقيمة 700 مليار دينار لمشروع مدينة سياحية ومجمعات إسكان في البصرة وقرض إضافي من المصرف الصناعي بمبلغ 150 مليار دينار لمشروع ميناء صناعي.
وتقاطعت تصريحات الاقتصاديين مع نتائج تقرير حديث لمنظمة الشفافية العراقية (أيار 2025)، التي رصدت تضخمًا خطيرًا في ملف “المشاريع المتلكئة”، حيث بلغ عدد المشاريع غير المكتملة والممولة من المال العام 1642 مشروعًا، بلغت كلفتها أكثر من 35 تريليون دينار، نصفها مموّل بقروض حكومية لم تُسدد.
وظهرت أسماء جديدة ضمن “نادي القروض المليارية”، أبرزهم باسم الطائي، رجل أعمال من محافظة ديالى، حصل عام 2019 على قرض من المصرف الزراعي قيمته 120 مليار دينار لإقامة مشروع دواجن وحقول أعلاف، لكن التحقيقات كشفت أنه استخدم المبلغ لشراء عقارات فاخرة في عمّان واسطنبول، بينما ظلت الأرض المخصصة للمشروع جرداء.
وارتفعت أصوات بعض أعضاء اللجنة المالية في مجلس النواب، محذرين من تحول المصارف الحكومية إلى “مموّل غير مباشر للفساد”، في ظل غياب نظام رقابي موحد يُلزم الجهات المقترضة بعرض تقارير أداء فصلية ومصادقة محكمة على تنفيذ البنود.
وتُعيد هذه القضايا إلى الأذهان ملف “قرض محطة الحلة الكهربائية” الذي أُقر عام 2005، حين مُنحت شركة محلية 180 مليون دولار، ليكتشف لاحقًا أن الشركة وهمية ومسجلة باسم سائق خاص لأحد المسؤولين السابقين، دون أن يُحاسب أحد حتى اليوم.
وتُظهر دراسة حديثة لهيئة النزاهة أن نسبة استرداد القروض الحكومية المتعثرة لم تتجاوز 0.9% خلال السنوات الثلاث الماضية، ما يعني أن أكثر من 99% من الأموال الممنوحة خرجت من خزينة الدولة دون عودة.
وتُحذر تقارير دولية من استمرار هذه الظاهرة التي تُضعف مناخ الثقة بالقطاع المصرفي العراقي، وتُعيق أي محاولة جادة للنهوض بالبنى التحتية، خاصة في ظل عجز مالي بلغ 12 تريليون دينار ضمن موازنة 2025، وانخفاض العائدات غير النفطية بنسبة 7%.
وتبقى معادلة “المال العام مقابل الصمت السياسي” هي اللغة السائدة في ملف القروض، ما لم يُفتح الباب أمام إصلاح جذري يتضمن ربط الإقراض بخطط وطنية صارمة، وتفعيل المحاسبة القضائية ضد المتورطين، دون استثناء أو تحصين.