بقلم: سعد الأوسي

يجب إخضاع الجميع للمساءلة والمقارنة: ماذا كان يملك قبل 9 نيسان 2003، وماذا يملك اليوم...؟!!

عندما كنت في ليبيا مطلع عام 2000، ونظراً لما كان يجري من عمليات فساد تشبه إلى حد كبير ما يحدث اليوم في العراق، جرت مناقشة بين أساتذة الجامعات الليبية حول موضوع محاربة الفساد. وحينها كنت أكتب مقالات في صحيفة "الشمس" اليومية، التي أسسها معمر القذافي عندما كان طالباً في مرحلة الدراسة الإعدادية ، وهي الصحيفة الرسمية الأولى في ليبيا ، وتناولت في كتاباتي فيها عدة مقالات حول مكافحة الفساد.

وبعد النقاشات التي جرت بين أساتذة الجامعات ورجال الإعلام والصحافة في ليبيا، كُتبت ورقة عمل مفادها تشكيل لجان سُميت بـ ((لجان تطهير الفساد)). ووُضعت خطوط هاتفية ساخنة لهذه اللجان المجهولة، فلا أحد يعرف من هم أعضاؤها، ولا إلى أي جهة ترتبط. كانت لها صلاحيات واسعة جداً، وترتبط بالرئيس معمر القذافي حصراً.

يتم التبليغ عن قضايا الفساد بصورة سرية كاملة، مع إعطاء نسبة من الأموال، أو العقارات، أو الأراضي، أو الأملاك المصادرة لصالح الدولة. وحتى حالات دفع الرشاوى يتم التبليغ عنها. وكانت الصحف الليبية الكبرى، وهي ((الشمس)) و((الجماهيرية))، تنشران كل يوم خميس المبالغ المستحصلة من جراء عمليات لجان التطهير المختصة بمكافحة الفساد.

وللحقيقة، كانت التجربة ناجحة جداً، درّت أموالاً كبيرة لميزانية ليبيا في حينه، وقللت من الفساد وحدّت منه إلى درجة كبيرة، بعد أن كان مستشرياً بصورة خطيرة.

أما في العراق، ففي التاسع من نيسان 2003 دخلت الأحزاب السياسية وأشخاص لا يملكون ((ثلاجة)) أو ((بايسكل)). بعضهم شاهدته بأم عيني لديه ((بريمز)) يطبخون عليه، ويستحمون بمائه، ويتدفؤون به في أيام الشتاء، وثلاجتهم خشبية داخلها ((چنگو)). هذا ما رأيته بعيني من قياداتهم، وليس من أعضاء أحزابهم. أما اليوم، فهم من أصحاب المليارات والعقارات والمولات والجامعات والمجمعات والمنتجعات والمصافي النفطية والبنوك والمصارف والشركات القابضة والقصور، والسيارات الفارهة، والفلل الفخمة داخل العراق وخارجه.

فأصبح من الضروري تشكيل لجان تطهير، ونشر خطوط ساخنة لاستقبال المعلومات بصورة سرية، وتطبيق قانون "من أين لك هذا". أي: قبل 2003 ماذا كان يملك، واليوم ماذا لديه؟

كبار موظفي الدولة، 35 سنة خدمة في الوزارات والدوائر، ولا يملك شيئاً، أو بيتاً يأوي أطفاله. فمن أين أتت هذه الأموال...؟!!

أما عن نفسي، فأود الإشارة إلى أن لدي إضبارة في الهيئة العامة للضرائب باسمي شخصياً. دفعت ضرائب دفعة واحدة إلى الهيئة بلغت 110 ملايين دينار، وذلك في سنة 2001 عن حجم الاستيرادات الخاصة بي من الإطارات والبطاريات ((الإضبارة موجودة))...!! في زمن كان أثرياء العراق اليوم لا يملكون طباخاً يطبخون عليه ((مخلصينها : الطبخ إما على البريمز أو الچولة)). كما ولدي شركات مختصة بالاستيراد قبل ٢٠٠٣ ، وصدّرت التمور أيضاً عبر الإمارات إلى بعض الدول ، ولدي شركة سياحة وسفر، ومع ذلك لا أزال أعيش حياة بسيطة اليوم. لا أملك مصرفاً ولا جامعة ولا مولاً ولا مجمعاً سكنياً ولا قصوراً ولا فللاً في شارع الأميرات، ولا منتجعات ولا مصافي نفط. حياتي بسيطة وسياراتي اعتيادية… فمن أين جاءت هذه المليارات والأملاك لهؤلاء...؟!!

إعلامي يملك 20 مليون دولار، أو أراضٍ شاسعة، أو أولاده يركبون سيارات "جي كلاس" و"لامبورغيني"، ويمتلكون شققاً في الخضراء ودبي وبيروت وإسطنبول وإسبانيا، وأولاد بعض هؤلاء يدرسون في لندن وسياراتهم فارهة وشققهم في اغلى مناطق لندن ...؟!!

أعود وأكرر: يجب إخضاع الجميع لأي حالة ثراء طارئة بعد 2003. على أي شخص، مهما كان، أن يُسأل وفق القانون: من أين لك هذا؟ وتُصادر أمواله بالقانون، وحسب الأصول. والله يحب المحسنين...!!