بقلم :انتظار العظيمي
لم يكن الاتفاق السياسي بين نوري المالكي ومحمد شياع السوداني حدثًا عابرًا في مسار العملية السياسية، بل شكّل نقطة تحوّل أربكت حسابات أطرافٍ بنت نفوذها ومكاسبها على استمرار الخلافات داخل الإطار الشيعي. هذا الاتفاق لم ينهِ أزمةً فحسب، بل فضح مشروعًا كاملًا كان قائمًا على الاستثمار في الانقسام، وتغذية الصراع، وابتزاز اللحظة السياسية لتحقيق مكاسب مادية وسياسية ضيقة.
لقد عاشت الساحة السياسية، خلال الفترة الماضية، على وقع تضخيم الخلافات وتسويقها بوصفها صراعًا “مبدئيًا”، في حين أن الحقيقة كانت أبسط وأكثر فجاجة: شركات سياسية، وواجهات إعلامية، وأدوات ضغط، كانت تعيش على بقاء النار مشتعلة. ومع إعلان الصلح والائتلاف بين المالكي والسوداني، تراجعت أسهم هؤلاء، وقلّ ضجيجهم، وانكشفت هشاشة خطابهم الذي لم يكن يملك مشروع دولة بقدر ما يملك مشروع تعطيل.
الأخطر من ذلك أن بعض الأطراف لم تكتفِ بالاستفادة من الخلاف، بل عملت على تعميقه عمدًا، محاولة السيطرة على القرار داخل الإطار الشيعي، عبر بث الشكوك، وتأجيج الصراعات الشخصية، وتصوير نفسها كبديل “منقذ”. لكن الاتفاق الأخير هدم هذه المخططات من أساسها، وأسقط الأقنعة عن وجوه طالما ادّعت الحرص على وحدة الصف وهي أول المستفيدين من تمزيقه.
ومن المفارقات المؤلمة أن من بين هؤلاء من لا يزال يحبو في بحر السياسة، لكنه يتوهّم أنه أصبح مرجعًا سياسيًا كبيرًا، يوزّع النصائح ويصدر الأحكام، دون تجربة حقيقية أو رصيد وطني يُذكر. وآخر اعتقد أن السيطرة المليشياوية، مضافًا إليها شهادة دكتوراه نالها بالواسطة، كفيلة بأن تصنع منه قائدًا سياسيًا، بينما هو في الحقيقة ما زال يتعلّم أبجديات العمل السياسي، عاجزًا عن فهم تعقيداته أو إدارة توازناته.
إن اتفاق المالكي والسوداني لم يكن انتصارًا لأشخاص بقدر ما كان انتصارًا لفكرة الاستقرار داخل البيت السياسي الشيعي، ورسالة واضحة بأن إدارة الخلاف بالحوار والتفاهم أقوى من رهانات الفوضى. كما أنه كشف أن من يراهن على الانقسام، مهما علا صوته، يبقى مشروعه هشًا، يسقط عند أول لحظة توافق حقيقي.
وفي النهاية، فإن السياسة لا تُدار بالضجيج ولا بالأوهام، بل بالرؤية، والخبرة، والقدرة على جمع المختلفين لا المتاجرة بخلافاتهم. وهذا ما عجز عنه تجار الأزمات، ونجح فيه من اختاروا طريق الاتفاق