مرت العملية السياسية في العراق منذ عام 2003 وحتى اليوم بتحديات وازمات متلاحقة كانت مصدر تهديد لتقويضها بشكل كامل ويبرز اسم نوري المالكي رئيس الوزراء الاسبق بوصفه شخصية محورية اثرت بعمق في المسار السياسي للبلاد سواءً من موقع المسؤولية أو من موقع التأثير القيادي داخل التحالفات الوطنية الكبرى.

ورغم أن المالكي لا يخلو من خصوم ومعارضين يحملونه غالبا" من  الإخفاقات الماضية فان القراءة المنصفة لمجمل أدواره تكشف عن وجه آخر رجل دولة حافظ على وحدة النظام السياسي في لحظات كانت البلاد قاب قوسين أو أدنى من الانهيار.

لم يكن المالكي بعيدا"عن مرمى سهام النقد خصوصا"بعد انتهاء ولايته الثانية إذ وجهت إليه اتهامات من خصومه السياسيين بدوافع مختلفة بشأن إدارة الدولة وتفاقم الأزمات الطائفية وتدهور الملف الأمني ومع ذلك فإن الأحداث كشفت لاحقا" أن أغلب تلك الأزمات كانت بنيوية تعود إلى تراكمات تاريخية ومخططات إقليمية ودولية أكبر من قدرة أي مسؤول منفرد.

وبينما اختار بعض السياسيين الانزواء أو المغادرة بقي المالكي فاعلا"في الساحة متمسكا"بوحدة العراق داعمًا للعملية الديمقراطية ورافضا" الانقلابات على الدستور أو تجاوز المسارات الشرعية.

شهد العراق مراحل حاسمة كأزمة تشكيل الحكومات والتظاهرات الشعبية والانقسامات الحادة داخل البيت السياسي الشيعي وفي كل تلك المحطات لعب المالكي دور الوسيط الهادئ حينا"والضاغط على الأطراف لضبط الإيقاع حينا" آخر لم ينجر إلى خطاب التأزيم بل ظل ينادي بالحوار الوطني والحفاظ على هيبة الدولة ومؤسساتها.

لقد أثبتت التجربة أن المالكي، بما يمتلكه من نفوذ سياسي وشبكة علاقات داخلية وخارجية كان وما يزال ركيزة للاستقرار لا سيما في الأوقات التي فشل فيها البعض في بناء الحد الأدنى من التوافق.

من ميزات المالكي أنه يتحدث بلغة واضحة وصريحة لا لبس فيها ولا يجمل الواقع ولا يروج للأوهام وهذا ما جعل قطاعات واسعة من العراقيين ترى فيه قائدا" واقعيا" لا يبيع الشعارات بل يتحدث بلسان الدولة فهو لا يدعو لإسقاط النظام أو تفكيك مؤسسات الدولة تحت أي ذريعة بل يطالب بالإصلاح من داخل المنظومة وضمن أطر الدستور.

بغض النظر عما يكتبه البعض من مقالات تحريضية أو انتقادات سياسية يبقى نوري المالكي رقما" صعبا"في المعادلة العراقية فهو ليس مجرد رئيس وزراء سابق بل قائد سياسي يمتلك مشروعا"متماسكا" ورؤية استراتيجية حافظ من خلالها على حد أدنى من التوازن وسط فوضى المصالح والصراعات.

وإذا كانت الديمقراطية تقاس بقدرة الأطراف على الاحتكام للدستور والحوار فإن المالكي كان وما يزال  أحد أبرز المدافعين عن هذا المسار وصمام أمان للعملية السياسية التي لا تزال تتلمس طريقها بثبات وسط تحديات كبرى

هذه وجهة نظر اجدها عادلة وخارج منطوق فهم البعض لما يمكن ان يقال كشهادة للتاريخ .

                   محمد حنون الحمداني